هل ستصبح لبنان مصدرة للنفط والغاز

MAIN_OilandGasLebanon

MAIN_OilandGasLebanon

متابعات : اسمديا

في ديسمبر 2009، اكتشفت الشركة الأمريكية “نوبل للطاقة” كمية من احتياطي النفط والغاز في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. بلغت مساحة الحوض 83,000 كم مربع، وهي تترامي في منطقة المياه الإقليمية لكل من سوريا ولبنان وقبرص وإسرائيل.

منذ العام 2010 حاولت الحكومة اللبنانية حماية احتياطات الغاز والنفط المتواجدة في المياه الإقليمية التابعة لها والمتعارف عليها دولياً وفي آب من العام نفسه، أقرت رسمياً قانون النفط الذي أكّد على حق الدولة القانوني والرسمي بإدارة مصادر الطاقة التابعة لها.

لقد حاولت الحكومة اللبنانية لسنوات، وضع خطّة ملموسة وثابتة للتنقيب عن النفط والغاز في البلاد، لكن التوترات السياسية المحلية والإقليمية أعاقت كل التحركات الرامية إلى وضع هذا القانون واستمرّ الحال حتّى عام 2017 عندما بدأت الحكومة بإقرار المراسيم الضرورية لبدء عمليّات التنقيب في البحر.

إنّ إكتشاف الموارد الطبيعية في أي بلد، خصوصاً النفط، قد يكون سبباً للاحتفال أو القلق وفي الحالة اللبنانية، كانت ردة الفعل مزيجاً من الإثنين معاً. إنّ هذا البلد الصغير المطل على المتوسط يعاني منذ مدّة، من أزمة تأمين الطاقة الكهربائية على مدار الساعة، وبإمكان هذا الاكتشاف حل هذه المشكلة.

من ناحية أخرى، فلبنان يشاطر حدوده مع دولة عدوّة له معها تاريخ بالغ التعقيد على المستويين الاجتماعي والسياسي، ناهيك عن أنّ لبنان، يحتل مرتبة متأخرة على مؤشر الفساد العالمي، مما يثير التساؤلات حول قدرة الحكومة على إدارة ملف الصناعة النفطية في غياب الحد الأدنى من الشفافية.

والسؤال المطروح في هذه الحالة هو التالي: ما الذي نعرفه حتى الآن عن صناعة النفط والغاز المستجدّة في لبنان؟ وما هي التداعيات (سلباً أو إيجاباً) لهذا الملف وكيف نستطيع التعامل معها؟

تاريخ التنقيب عن النفط في لبنان

إن علاقة لبنان بموضوع النفط والغاز ليس بالأمر الجديد بل يعود إلى عام 1930، من القرن الماضي . فقد قام الانتداب الفرنسي في لبنان حينها بوضع أول مسودة لتسريع عملية التنقيب عن النفط في البلاد، وفي عام 1938 أعطي التصريح لشركة النفط العراقية (IPC) للبدء بعمليات التنقيب ، لكن هذه المبادرة علقت بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية.

بعد نهاية الحرب قامت الشركة نفسها بحفر بئر تجريبي قرب جبل تربل في وادي البقاع الشمالي وكانت النتائج غير مشجعة، وقامت الشركة لعدة سنوات لاحقة، حتى العام 1963 تحديداً، بخمس جولات تجريبية اخرى في جنوب وشمال البلاد ولكن النتائج كانت سلبية أيضاً.

اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 واستمرت حتى 1990 مما أدى إلى توقف عمليات التنقيب تماماً. وفي عام 1990، تم توقيع اتفاقية بين لبنان وسوريا سميت حينها “هيئة التعاون بين لبنان وسوريا للتنقيب عن النفط في لبنان”، لكن السنوات التي تلت الإتفاق كانت مليئة بالتوتر السياسي والعسكري في البلاد وتزامن ذلك مع ارتفاع حدّة التوتر الطائفي وما نتج عنها من اغتيالات سياسية ناهيك عن النزاع حول الحدود البحرية مع إسرائيل، ولاحقاً، خروج الجيش السوري من البلاد بعد ما سمّي بـ”ثورة الأرز” ثمّ العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006.

لا شك أنّ فراغ سدة الرئاسة أيضاً أرخى بظلاله على مفاوضات النفط والغاز وزاد الأمر تعقيداً.

وقد واجه لبنان صعوبة بالغة بتحديد وتعريف حدوده البحرية خصوصاً في الجنوب؛ وبالرغم من التوجّه للأمم المتحدّة مرّات عديدة في تشرين الأول 2010 وأيلول 2011 للمطالبة باعتراف صريح بالمنطقة الإقتصادية الثابتة قانونياً له (Economic Economic Zone) إلا أنّه وبسبب التخبّط السياسي الحاصل في البلاد وغياب الدعم المطلوب في مثل هذه الحالات من القوى الأكثر تأثيراً في المجتمع الدولي فإنه لم يستطع في نهاية الأمر من توجيه الدفّة لصالحه.

بعد سلسلة من المحاولات غير الناجحة

اذا و ضعنا الأمور في نصابها الصحيح فإن تجربة لبنان بالتنقيب عن النفط والغاز هي تجربة غير ناجحة تاريخياً، فما الذي يجعل الأمر مختلفاً الآن؟

من الممكن القول إنه ومنذ العام 2011 بدأ اكتشاف حقول الغاز في البحر في الدول المجاورة وتحديداً في قبرص وإسرائيل، وبما أنّ هذه الدول تتشارك الحوض البحري المتوسطي نفسه فإن احتمال وجود آبار مشابهة في المياه الإقليمية البنانية كبيرٌ.

من ناحية أخرى، فإن إنتخاب الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية عام 2016 أدخل البلاد في مرحلة استقرار سياسي نسبي مقارنةً بالسنوات السابقة، بالرغم من التصعيد العسكري في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، وتدخل حزب الله الفعلي في المعارك الدائرة هناك.

في ظل هذه الظروف المستقرة نسبياً، قامت الحكومة اللبنانية بفتح ملف النفط والغاز في بداية العام 2017، وأقرت في كانون الثاني من العام نفسه مرسومين أساسيين هما:

ترسيم الحدود والبلوكات البحرية للمنطقة المراد التنقيب فيها

شروط العقد واتفقايات التنقيب والإنتاج التي تحدّد الأماكن والمساحات والطريقة التي سيتم فيها التنقيب عن التفط والغاز في المرحلة الأولى

الاتفاقية، وعودها وشروطها

إنّ مجمل مساحة المياه الإقليمية اللبنانية تبلغ تقريباً 22,000 كم مربع، أما المساحة المتنازع عليها مع إسرائيل فتبلغ 854 كم مربع. تمّ تقسيم المساحة إلى عشرة مناطق (بلوكات) بالاعتماد على المسح الجيولوجي، الذي حدّد مساحة كل بلوك على حدة وشكل الآبار المزمع حفرها.

بلغت مسافة المنطقة العازلة (حيث يمنع التنقيب) بين الشاطئ والأماكن المتوقعة لمنصات التنقيب حوالي 5.5 كم. وقد قامت الحكومة اللبنانية بطرح خمسة من أصل البلوكات العشرة (هي: 1-4-8-9-10) للمنافسة بين شركات النفط والغاز العالمية بطريقة المناقصة ولمدة خمس سنوات قابلة للتجديد.

واختارت الحكومة ائتلافاً من ثلاث شركات للقيام بالمهمة هي: Total الفرنسية، ENI الإيطالية ،NOVATEK الروسية على ان تشمل المناطق ( البلوكات) التالية:

- بلوك 4 بعمق يتراوح بين 686 و1845م تحت سطح البحر ( شمالاً)

- بلوك 9 بعمق يتراوح بين 1211 و1909م تحت سطح البحر ( جنوباً)

وتشكل شركتي Total وENI مجموعة واحدة مسؤولة عن عمليات الحفر والتنقيب والاكتشاف والانتاج وهي مجموعة تتّمتع بممتلكات وإمكانات مالية تتخطى الـ10 بلايين دولار أميركي، بينما تقوم شركة NOVTEK بتقديم المساعدة الفنية والتقنية المطلوبة وتتولى مسؤولية أعمال التسويق والتنظيم.

وتقوم الشركات الموقعة على عقود الاستخراج والإنتاج بدفع رسوم للدولة اللبنانية تبلغ 4% من قيمة الغاز المستخرج وما بين 5-12% من قيمة النفط المستخرج اعتماداً على كمية البراميل المستخرجة يومياً.

وقد عقد وزير الطاقة والموارد المائية والكهربائية السيد سيزار أبو خليل مؤتمراً صحفياً في 15 ديسمبر/كانون الأول 2017، وأوضح ان الرّبح المتوخّى جبايته من المنطقة (بلوك) 4 هي بحدود 65-71%، وبحدود 55-63% من المنطقة (بلوك) 9. وحيث أنّه لم تبدأ عمليات التنقيب والحفر الجدية بعد فإنّه من الصعب إعطاء تقديرات دقيقة للعائدات المتوقعة.

المصدر موقع رصيف22