من يضيف «القيمة» إلى الاقتصاد .. الدولة أم الشركات؟

826576-464777672

 

مارتن وولف من لندن

من الذي يستحدث القيمة؟ من الذي يستخرج القيمة؟ من الذي يدمر القيمة؟ إذا خلطنا بين من يستخرجون أو يدمرون القيمة ومن يستحدثونها، أو أخطأنا في معرفة من يستحدثون القيمة ومن يستخرجونها ويدمرونها، فسوف ننتهي في نهاية المطاف إلى مجتمعات فقيرة وغير سعيدة، يحكم فيها الناهبون.
بلغت كثير من الدول الغربية المتقدمة، ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا، من قبل إلى تلك الحالة، وذلك وفقا لماريانا مازوكاتو.
إن عواقب ذلك، بما فيها عدم المساواة المتصاعدة والنمو المتدهور، هي واضحة منذ الآن، كما تقول المؤلفة، والأستاذة في كلية لندن الجامعية ومستشارة في بعض الأحيان للأحزاب السياسية والمؤسسات الدولية.
وهي تصر على القول إننا نحتاج إلى تغيير المسار، في هذا الكتاب المملوء بالتحديات والمثير للتفكر.
ومن بين أمور أخرى، نحتاج إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الأسواق والحكومات؛ وأن نقيم تمييزا واضحا بين الذين يوجدون الثروة وبين الذين يستخرجونها، وبين الذين يتبنون طموحات جماعية أكثر جرأة، ولا سيما التحول إلى اقتصاد أكثر مراعاة للبيئة؛ والإنفاق على المشاريع المستقبلية، بدلا من تبني تقشف عقيم وذي نتائج عكسية.
الكتاب هو قسم ثان لكتاب “دولة ريادة الأعمال”، حيث جادلت مازوكاتو بأن الحكومة لعبت دورا مبتكرا بقوة في الاقتصاد الحديث.
تتمثل النقطة الكبرى في هذا الكتاب في أنه من السهل للغاية على الذين يعملون في اقتصاد السوق، أن يصبحوا أغنياء عن طريق استخراج القيمة الاقتصادية من الذين يضيفونها، وليس عن طريق إضافتها بأنفسهم.
مثال واضح على ذلك هو الطريقة التي ولد بها القطاع المالي زيادة ضخمة في ديون الأسر المعيشية، في السنوات التي سبقت الأزمة المالية في 2007 – 2009. هذه المسابقة التي لا يوجد فيها ربح أو خسارة والتي تم تمويلها، هي لشراء مخزون الإسكان الموجود بأسعار مرتفعة.
وتضمن إرثها أزمة ضخمة، وتراكما للديون، وضعفا في النمو وخيبة أمل سياسية. ومع ذلك، فقد كان الأمر بالنسبة للذين استحدثوا هذا الدين وتلاعبوا به وباعوه عبارة عن منجم ذهب. وهذا يمثل استخراجا ودمارا للقيمة.
ويمكن رؤية الصورة نفسها في إدارة الأصول، بما فيها من تداول مفرط، ورسوم باهظة، وانعدام الشفافية، وسوء الإشراف وتضارب المصالح.
هذا القطاع المالي، إضافة إلى “تعظيم قيمة حملة الأسهم” التي روج لها الاقتصاديون، كان له تأثير خبيث في قطاع الشركات ككل، كما تقول مازوكاتو، من خلال تشجيع الأجور المفرطة، وأيضا، جزئيا إلى هذه الغاية، التلاعب في أسعار الأسهم مع إعطاء الأفضلية للاستثمار طويل الأجل.
يبدو من الواضح بدهيا في حد ذاته أن من الصعب رؤية فائدة اقتصادية أوسع نطاقا من الزيادة الهائلة في الحجم والنفوذ النسبي للتمويل على مدى نصف القرن الماضي.
اليوم، كثير من الاقتصادات الغربية، رغم كل شيء، مثقلة بالمستويات المرتفعة من الديون الخاصة، وارتفاع عدم المساواة وانخفاض معدل نمو الإنتاجية. إذا كان هذا هو النجاح، فما شكل الفشل؟
ليس التمويل من هو في قفص الاتهام، إذ تهاجم مازوكاتو ما يجري في قطاعات مفيدة من الاقتصاد بشكل أكثر وضوحا، مثل تكنولوجيا المعلومات والأدوية. وتجادل بأن إحدى المشاكل هنا هي منح حقوق الملكية الفكرية السخية أو غير المبررة بشكل مفرط، مثل منح البراءات للأشياء الموجودة في الطبيعة أو لعمليات تافهة.
الأمر الذي لا يقل أهمية عن ذلك هو ظهور قوة احتكارية مركزة في عدد صغير من شركات الإنترنت الضخمة على الإنترنت، مثل جوجل وفيسبوك، التي يجعلها حجمها ووجودها الكبير الخيار العقلاني الوحيد للمستخدمين المحتملين.
لا تشير مازوكاتو إلى الأنشطة التي تتم المبالغة في فوائدها، إن لم يكن قد تم تفسيرها بشكل خاطئ تماما، من خلال المكافآت الضخمة للأشخاص والمؤسسات المنخرطة فيها، مثل الهندسة المالية فحسب، بل تشير أيضا إلى الأنشطة المهمة في قطاع يفترض في كثير من الأحيان أنه لا يولد أي قيمة اقتصادية: الحكومة.
وتقول إن الحكومة تفعل ما هو أكثر من فرض العدالة وتوفير الأمن. إنها تبني البنية التحتية، وتثقف الشباب، وتحافظ على صحة السكان، وتمول البحوث الأساسية، وغالبا ما تعزز التنمية الاقتصادية مباشرة.
لقد استحدثت الحكومة الأمريكية، وليس الشركات الخاصة، كثيرا من التكنولوجيات الأساسية التي كان لها أكبر دور في تغيير طبيعة الأمور في الوقت الحاضر: الإنترنت ونظام تحديد المواقع العالمي هما مثالان رائعان على ذلك.
ومع ذلك، فإن الأطروحة الأساسية للكتاب هي أن الخلط بين استخراج القيمة واعتباره إيجادا للقيمة، والعكس صحيح، له جذوره في أخطاء الاقتصاديين.
يناقش قسم مطول من الكتاب على النحو الواجب تاريخ فكرة القيمة في الاقتصاد، من المذهب التجاري (المركنتلي) في القرن السابع عشر، إلى الاقتصاديين الكلاسيكيين في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، ومن ثم الهامشيين (أو “الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد”) في وقت لاحق من القرن التاسع عشر، والقرن العشرين.
وتلاحظ أن الاقتصاديين الكلاسيكيين، ولا سيما آدم سميث وديفيد ريكاردو وكارل ماركس، كان يساورهم القلق بشأن التمييز بين من يستحدثون القيمة، وبين من ينقلونها من جهة لأخرى فحسب، وبين الذين يعيشون متطفلين على جهود الآخرين (مثل ملاك الأراضي الأرستقراطيين). كانت تلك الفروق اقتصادية وأخلاقية على حد سواء.
إلا أن الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد، مثل ليون وولراس، وستانلي جيفونز وألفريد مارشال، مع ثورتهم الهامشية وفكرة التوازن، ألغوا هذه الفروق: في ظل النظرية الذاتية للقيمة، يكون السعر ببساطة أفضل مؤشر للقيمة (الهامشية): ما هو باهظ الثمن، على الأقل في الهامش، هو شيء له قيمة. الخيارات التي يتخذها الناس هي المحدد الوحيد للقيمة.
تركيز الاقتصاديين على ما يتم إنتاجه وتوزيعه في السوق له نتيجتان إضافيتان، كما تقول مازوكاتو – الحكومة، بحسب هذا الافتراض، غير منتجة، وحتى متطفلة، والعمالة المنزلية تختفي من الأفق.
تم نقل هذه الافتراضات إلى النظام الجديد للحسابات القومية الذي تم تطويره في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، والذي ولد منه مقياسنا لـ”الناتج الأهلي الإجمالي”.
أفهم لماذا تشارك المؤلفة في بحث طويل (ومثير للاهتمام بحد ذاته) في تاريخ نظريات القيمة. ربما كان كافيا، مع ذلك، ملاحظة أن هناك أسبابا وجيهة للاعتقاد بتفشي الأسواق المعيبة والمزورة في اقتصادات السوق الفعلية، بدلا من نماذج مبسطة لها.
على الرغم من ذلك، فإنها تقدم نقطة حاسمة: ما نعتبر أنه ذو قيمة هو قرار اجتماعي وبعض ما نعتبر أنه ذو قيمة الآن – التمويل المعقد، على سبيل المثال – يعتبر مبررا أكثر لاستخراج القيمة، من كونه مصدرا معقولا للقيمة الإضافية.

المصدر : الاقتصادية