مدينة لا يجافيها قلب زائر، حُبّها يستعمر شغاف القلوب…(اسطنبول.. غيمات ضباب وقطرات مطر)

5اسطنبول

5اسطنبول

اسمديا_سعيد الصوفي

تستوقفك معالمها الفريدة  شامخة أمام ناظريك كشموخ تاريخها العريق متناثرة على ضفاف وسفوح المدينة وعلى جنبات المضيق تدرّجاً من الجبل إلى السهل، ومن ثم الساحل لكل هذا الجمال المتسلسل والمترابط كحبات عقد لا تنفرط تضفي قيمة جمالية لبعضها البعض سر جمال اسطنبول بجوّها النّقي والهادئ وفضائها البهي؛ إلا من غيمات ضباب وقطرات مطر يداعبك دخداخ نسيمها وروائح عطرها ليضفي على نفسك وقعاً خاصاً وشعوراً لم تعهده من قبل.

تغادرها وكأن ثمّة شيئاً يجتزئ من قلبك، إنها اسطنبول المدينة التي تألفك وتألفها في الحال بتلقائية دون تكلُّف، تغادرها ودمع القلب جارٍ عشقاً بالغاً.1
كل ما قيل عنها في كتب التاريخ والأسفار وما دوّنه الكتّاب والمؤرخون ومذكرات الرحالة؛ يظل كما هو إرثاً حيّاً قائماً في المدينة بمعالمها ومآثرها وشواهدها الماثلة حتى اليوم أمام عشاق جمالها وهواة تاريخها الضارب بجذوره في التكوينات الأولى للتشكُّل.
لم تقف المدينة عند ذلك فحسب بل تتخلّق وتتجدّد كل يوم مع إشراقات كل صباح، إنها عروسة الكون تتوشح بكل حلل الجمال, تعدّدت فيها الأساطير العجيبة والقصص والحكايات وتعاقبت عليها الامبراطوريات الثلاث الرومانية والبيزنطية والعثمانية، هي مدينة الألف مأذنه و600 جامع و400 قصر؛ كل ذلك توجها للقب أم المتاحف نظراً لما تكتنزه من إرث تاريخي لتعاقب الحضارات المتعدّدة لحكّمها، قال عنها نابليون ذات زيارة لها : “لو خيّرت في وضع عاصمة للعالم كلّه لاخترت اسطنبول عاصمة له”.
السّياحة
تنمو وتزدهر قطاعات السياحة في تركيا بشكل كبير، تشير التقارير الرسمية إلى أن حوالي 42 مليون سائح دخلوا إلى تركيا في العام 2014م ومازال لطموحهم نفس طويل بمضاعفة هذا الرقم من خلال التخطيط العلمي المدروس والمنظم, فطموحهم لا يقتصر على الأمنيات فقط أو بخطط وأوراق تظل حبيسة الأدراج, كما هو الحال في المنطقة العربية, بل يتفنّنون ببراعة في صناعة السياحة وبإتقان يدهش الوافد والزائر لتركيا ويأسر عقله، يغوصون في تفاصيل تاريخهم وحضاراتهم العريقة ويجسّدون ذلك في مشاهد مختلفة، يذهبون بك إلى أزمنة قديمة وأمكنة تاريخية عديدة تتجسّد شواهدها بشكل احترافي يبديه القائمون على صناعة السياحة في البلد كما شاهدنا ذلك في إحدى حدائق الألعاب بمدينة اسطنبول وهي حديقة فيالاند الجميلة.
تتشكّل تلك المشاهد وبحركة تؤدّي وظائف ورسائل عديدة للسائح والمشاهد والمتلقّي في آن لتلك الحركات الدراماتيكية لينقلك إلى حكايات المكان والزمان، وأنت آخذ مقعدك على متن قارب لوحي صغير يلف بك فوق الماء كتشبيه يحاكي واقع خليج البسفور داخل ذلك النفق المظلم؛ إلا من إنارات للمشاهد تضيء حال قدومك إليها لتدهشك الأصوات والحركة لتلك التجسيدات بإعجاب كبير والموزّعة على ضفّتي النفق المائي المتعرّج الذي ما أن تقارب مشهداً إلا وترى مشاهد لحركة عمّال الدولة العثمانية الدؤوبة وبمهنهم المختلفة تجسّد وبمحاكاة لتاريخهم وحضاراتهم العريقة في عهود السلاطين ومناداتهم وأحاديثهم وتعاملهم اليومي مع رعاياهم والحياة الطبيعية آنذاك.
جولة في داخل تلك الحديقة كانت في غاية الروعة ومدهشة في الوقت نفسه, وأنت تقضي وقتاً يمنحك من تفاصيل السعادة كثيراً من الشعور النفسي للاستمتاع بتلك البيئة الجميلة، حيث تتمازج مشاهد الجغرافيا ومآثر التاريخ وحقول العمل والإنتاج معاً في قالب يتقمّص دور الطبيعة ويحاكيها بفن راقٍ من صنعة الإنسان التركي الذي لا يتخذ من صناعة السياحة شعاراً فحسب بل يقتفيه أثراً ويترجمه إلى واقع ملموس يجسّد فيه مراحل تاريخ امبراطوريات ثلاث تعاقبت على حكم الدولة وبمشاهد غاية في الروعة، حيث يتزاحم الزّوار إلى المكان نفسه إلى جانب عديد أمكنة في الحديقة نفسها ومن جنسيات مختلفة كل منهم يتّجه إلى حيث يطربه قلبه مع أن كل شيء هنا في اسطنبول يطرب الوجدان ويسمو بك إلى حيث يحتفل بك الجمال ويغمرك بالسعادة.
الخوض في التحدّي للنهوض باقتصاد البلد
لا يغفل الأتراك الجزئيات الصغيرة بدافع جذب المزيد من السياح إلى بلدهم, يجتهدون في سبيل ذلك من خلال توظيف كل قنواتهم الاتصالية المختلفة التي تترابط فيما بينها بشكل متناغم ينسجم مع الغاية والهدف المرجو تحقيقه كونه يُعد الخلاصة أو النتيجة الإيجابية التي تلتقي عندها كل تلك القنوات للوصول إلى تحقيق الهدف المرسوم والأسمى وهو الارتقاء والنهوض بتركيا. 2
فالإنسان التركي لا يكل ولا يمل من الإمعان والبحث في التفاصيل والجزئيات بمختلف أحجامها ومستوياتها من أجل تدوير عجلة النشاط الاقتصادي والتجاري والاستثماري والتنموي والسياحي والصناعي في البلد وبشكل عالٍ يصل إلى مرحلة الرضا ليفوق ما خطّط له من برامج؛ بل لا يكتفون بما تم تحقيقه من إنجازات في شتى المجالات، حيث تتسارع جهودهم الموزّعة في مجالات عدّة بوتيرة عالية لتحقيق المزيد فالمزيد الذي يضع بلدهم في مرتبة الأوائل اقتصادياً وذلك ليس ببعيد عنهم في ظل ما تخطّط له الحكومة التركية يساندها الشعب التركي الذي استشعر عظمة بلاده ومكانتها التاريخية العريقة بين دول العالم, ما أيقظ أفكارهم الإبداعية والإنتاجية ووضعها أمام تحدٍ كبير مع الذات الجمعية للقومية التركية لما من شأنه الوصول بتركيا إلى المرتبة التي تليق بمكانتها العالمية.
تراهم ينحتون في مجالات مختلفة لاختلاق المزيد من الفرص المتنوّعة فتتشكل موارد الدولة تباعاً كنتيجة لمجهودات توزّعت هنا وهناك من أجل الارتقاء والتميُّز, يفاخرون بكل صناعاتهم ومنتوجاتهم المختلفة ويتعصّبون بشكل إيجابي لقوميتهم وهويتهم التركية الإسلامية من خلال الحجم الكبير للعملية الإنتاجية في بلدهم والتي منها يقاس حجم حبّهم لوطنهم.
كل شيء مهم
تهتم تركيا بمجال السياحة كما هو الاهتمام ببقية المجالات الأخرى، فكل شيء هنا بالنسبة للأتراك مهماً، فلا يوجد في أجندتهم شيء غير مهم, فكل مجال يصنعون منه ألف حكاية تتوالد وتتعاقب حكايات الإنتاج وتزدهر من أجل نهوض الوطن.. يسوّقون بلدهم أمام شعوب العالم بشكل لافت يحسدون عليه، يوظفون كل إمكانياتهم من أجل إظهار تركيا بشكل يليق بمكانتها وتاريخها العريق الذي كانت فيه ذات يوم امبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ويتباهون – الأتراك – بالكلام عن ذلك.
ربما أنهم محقّون في ذلك الشعور والانتماء إلى امبراطوريتهم العثمانية، فهاهم اليوم ينتجون بلا حدود ويستمدّون طاقاتهم الإبداعية والإنتاجية من موروث اكتسبوه منذ آلاف السنين وطوّروه بشكل لافت يليق بمكانة بلدهم.
في منطقة أرتاكوي وبشيكتاش
العاشرة صباحاً من أيام كانون الماضي؛ اتجهنا قاصدين منطقة بشيكتاش، هنا حيث سكن الستة السلاطين الآخرين في حكم الامبراطورية العثمانية وهي تعد حسب الروايات أنها أول منطقة سكنية في البسفور، حيث توجد فيها الفنادق الفاخرة والمتاحف والكنائس والجوامع والأسواق والمتنزّهات وشارع العشاق في أرتاكوي وبرج الساعة ومرفأ البواخر وقصر إخلامور وقصر شيزاغان ومتاحف قديمة وقصر ضولمة باخجة والجسر المعلّق الذي يربط بين آسيا وأوروبا وحطّطنا الرحال بجوار مسجد أورتاكوي في مقهي على واجهة مياه البسفور نحتسي القهوة التركية، نستمتع بهوائها الجميل ومناظرها الرائعة.3
كنت بمعية الزملاء المذيع في الفضائية اليمنية محمد السقاف والمخرج أحمد الخاوي وعبدالعزيز عوضة، رئيس تحرير صحيفة «يمن أوبزرفر» ونعمان الخضمي من صحيفة «يمن تايمز» وعبدالباسط النوعة من صحيفة «الثورة» إلى جانب الصديق أحمد تورسن، المدير التجاري في مكتب الخطوط الجوية التركية بعدن والمترجمة التركية «نورا» ذات الوجه البشوش والابتسامة المشرقة على محيّاها, ظللنا هناك وقتاً يقارب الساعة نشاهد ونتأمّل ونستمتع بتلك اللحظات الجميلة في مواجهة مياه البسفور والنظر إلى الجسر المعلّق وحركة المرور فيه فضلاً عن حركة السفن واليخوت العابرة فوق مياهه تجوب بالسيّاح والزوار على متنها ليقضوا وقتاً ممتعاً ويلتقطوا الصور التذكارية لهم وللطبيعة أيضاً بمناظرها المختلفة, في الظهيرة ذهبنا لزيارة جامع السلطان محمد الفاتح وجامع آيا صوفيا، حيث يتزاحم السيّاح هناك للتعرُّف على أهميته وتاريخه. .كما لم تستثن زيارتنا «ميدان تقسيم» في أول ليلة من وصولنا إلى المدينة وشارع الاستقلال والتجوّل فيه وسط زحام شديد للمتسوّقين والزوار من مختلف دول العالم.
أحلى الأماسي 
وفي ليلة كانت من أحلى الأماسي اصطحبنا الصديق عبدالرزاق – وهو طالب يمني يحّضر الماجستير في جامعة اسطنبول – في جولة إلى السوق ومن ثم قمنا بجولة بحرية على السفينة فوق مياه البسفور، حيث تتزاحم الأضواء بالحركة بشكل جمالي يجعلك تعيش أحلى الأماسي الاسطنبولية، بعدها اتجهنا بالرحلة عبر المترو إلى إحدى المحطات القريبة من منطقة برج البنت، ثم سرنا مشياً على رصيف المضيق إلى المقهى المجاور لبرج الفتاة، وهناك حططنا رحالنا للاستراحة في المقهى لتناول الشاي وتبادل الأحاديث..هذه هي اسطنبول المدينة التي لا يجافيها قلب زائر؛ تظل ذكراها راسخة تعيش وتتجدّد ويظل الحنين والشوق إليها قائماً في قلب عاشق يهيم بحبها يتخيّلها يتخلّقها ليحين له مرات ومرات محاكاتها بشوق المفارق المحب.
في ميدان امينونو 
بعد أن خلصنا من جولتنا في الأسواق الواقعة بميدان امينونو ومنها البازار المصري، وهو من أشهر الأسواق الشعبية والتاريخية في اسطنبول تُباع فيه التوابل والنباتات العلاجية والحلويات والأقمشة والاكسسوارات والفضّيات والتحف والهدايا والتذكارات، فيما يقع في الجانب الآخر السوق المسقوف أو كما يسمّونه «السوق المغلق» حيث الدخول إليه من مدرج يتجه بك إلى الأسفل من سطح الميدان، أي تحت الأرض، يتميز بتعدد محلاته المتنوّعة، حيث يقصده السيّاح والزوار والسكان المحليون لشراء حاجياتهم من المستلزمات والهدايا المختلفة والأحذية والملابس والساعات وألعاب الأطفال، حيث تزدحم الحركة فيه بشكل كبير..اتجهنا نحث الخطى للعبور إلى مياه خليج البسفور وقرص الشمس يتشكّل بملازمته حينها بين مأذنتي وقباب الجامع الجديد في الميدان نفسه في لوحة بديعة2 (1) تستوقف الناظرين لمشاهدتها وهي تتدحرج إلى المغيب بالتقاط مزيد من الصور للطبيعة والذكرى.
جولة فوق مياه البسفور
صعدنا الهوينا على سلّم العبّارة السياحية وإلى جانبنا زوار وسيّاح كثر يأبون مغادرة اسطنبول إلا بعد أخذ جولة فوق مياه خليج البسفور وقرنها الذهبي، الكل يتأمل في هذه اللوحة الجميلة التي تشكّل بتكوينها الجغرافي ماء واخضرار أرض ووجوه حسناوات غابات وحدائق وتاريخ امبراطوريات ثلاث تعاقبت على حكم هذه المدينة وتشكلتها بلوحاتها التاريخية والإبداعية لتضيف إلى جمالها الطبيعي جمالاً آخر يتناسق ويتناغم مع بعضه البعض مشكّلاً أعجوبة لمدينة لا يمل البصر من الكف عن رؤيتها ولا يجافيها قلب زائر بجمالها الربّاني تلازم شغاف قلبك وتحتل جزءاً في ذاكرتك لا تمحى منها أبداً, سيظل جمالها المتشكّل يحاكي ذاكرتك ويوقظ فيك مشاعر الشوق والحنين للعودة إليها مرّة أخرى.
وأنت تحتسي أكواب الشاي على مقاعد شرفات السفينة تتراءى لك على جنبات مياه البسفور ملامح الإبداع الهندسي والتشكيلات الفنية والزخرفية والأنماط المعمارية التي تفنّن فيها الإنسان التركي وأبدع وأتقن في صنع إبداعه، مختلقاً بحسّه وفنّه وذائقته الجمالية ثروة تركيا وهويتها المتشكّلة التي أصبحت اليوم مزاراً لعشرات الملايين من السيّاح الذين يفدون إليها من مختلف دول العالم.
الوجبات اليمنية حاضرة بقوّة في تركيا
في منطقة أيوب يشيل بينر وتحديداً في مكان فيالاند الحديقة والمول ومطعم إدريس دبي؛ وهو مطعم افتتح في أبريل من العام الماضي لمستثمر، حيث يقدّم المطعم المأكولات اليمنية بمختلف أصنافها إلى جانب المأكولات التركية والشامية؛ إلا أن المأكولات اليمنية تُعد أهمّها نظراً للإقبال الكبير عليها من قبل السيّاح العرب وتحديداً الخليجيون واليمنيون وفيه يعمل عدد من الطباخين المهرة من اليمنيين ومنهم الطباخ أحمد راشد الملقّب بأبوراشد، حيث تقدّم الأصناف اليمنية أهمّها «الحنيذ والمندي والدجاج والمظبي والزربيان باللحم واللحم الممروق وفتة المرق باللحم والفحسة والسلتة والفول اليمني وبيض الشكشوكة وعقدة اللحم والدجاج وفتة العسل والفتة الكبسة بالتمر وخبز الموفى الرشوش والملوح والرطب».. ذات صباح كنّا في ضيافة الصديق الطباخ أحمد راشد وهو من أبناء محافظة إب اليمنية – دعانا لتناول الفطور اليمني بالخبز الملوّح الحار والمدرة الفول شكشوكة البيض والسحاوق الحار, ظلّ طيلة يومين يبحث عنّا، لا شيء غير ضيافتنا حين علم أننا نقيم في الفندق المجاور له, يستقبلك بابتسامته الدّالة على طيبة وكرم الإنسان اليمني وأصالته أينما حلّ أو رحل؛ يحادثك من أول وهلة كمن سبق له أن التقاك ألف مرّة أو أن ثمّة علاقة صداقة قديمة تربطك به كان متشوّقاً للحديث معنا ويسأل عن الوضع الراهن الذي تمر به البلد.. شكراً لك أيها الصديق أبوراشد على شعورك الوطني وكرمك وأخلاقك النبيلة.

 

IMG_٢٠١٥٠١٢١_١٥٤٣١٥4 IMG_٢٠١٥٠١٢١_١٥٤٨١٧ IMG_٢٠١٥٠١٢١_١٦٠٠٣٥صورة1

المطعم العربي التركي  مرتادوه يتناولون الوجبات اليمنية IMG-20150210-WA0010
برج البنت
ليلا

*انطباعات نقلها من اسطنبول(الاستاذ سعيد الصوفي)