الحساب الختامي وسوء الإدارة الاقتصادية بمصر

12-05-11-661400832

اسمديا:بقلم :عبدالحافظ الصاوي 

خلل بالموازنة العامة 
الخلل في أداء الموازنة العامة للدولة ليس بالأمر الهين، نظرا لارتباط الموازنة بباقي مكونات السياسة الاقتصادية، فالموازنة ليست مجرد إحدى آليات السياسة المالية، لكنها تعكس حزمة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

لذلك يجب قراءة نتائج الحسابات الختامية للموازنة في ضوء أداء الاقتصاد الكلي، خاصة في نواحي الخدمات العامة.

“الدين العام المصري هو إحدى القضايا المزمنة التي فشلت في معالجتها الحكومات المتعاقبة, لكن حكومة ما بعد الانقلاب تتحمل تبعات، خاصة في ما يتعلق بالفشل في إدارة الدين العام، حيث إنه قد أتيحت لها تدابير مالية تمكنها من الوصول إلى نتائج مرضية “

فالإنفاق على التعليم والصحة قد يشهد ارتفاعا كما هو الحال في نتائج الحسابات الختامية للموازنة العامة في مصر للعام المالي 2014/2015 التي أعلنها وزير المالية المصري هاني قدري دميان خلال الأيام الماضية، فكل من التعليم والصحة شهد زيادة نسبتها 27 % و17.7 % على التوالي.

لكن هذه الزيادة موجهة بشكل أساسي إلى الأجور والمرتبات ولم يشعر المواطن بتحسن في تقديم الخدمات في هذين القطاعين، فضلا عن عدم رضا العاملين الذين يطالبون بتنفيذ الكادر الخاص بالمعلمين والأطباء بشكل كامل.

وتشير بيانات الحساب الختامي إلى أن نسبة الأجور والمرتبات في قطاع التعليم تصل إلى 85.6% وفي قطاع الصحة تصل إلى 60% وهو ما يعني أن الإنفاق على الاستثمار في هذين القطاعين المهمين دون المستوى.

ولذلك سيظل المواطن يتحمل الجزء الأكبر من تكلفة التعليم والعلاج على نفقته الخاصة، وهو ما يمثل عبئا مستمرا على ميزانية الأسر المصرية، واستمرار الدروس الخصوصية في كافة مراحل التعليم بمصر خير دليل. 

فشل في إدارة الدين

الدين العام المصري هو إحدى القضايا المزمنة التي فشلت في معالجتها الحكومات المتعاقبة، لكن حكومة ما بعد الانقلاب تتحمل تبعات، خاصة في ما يتعلق بالفشل في إدارة الدين العام، حيث إنه قد أتيحت لها تدابير مالية تمكنها من الوصول إلى نتائج مرضية على صعيد الاستثمار، أو على صعيد تخفيف أعباء الدين العام، لكن الحاصل هو العكس فقد أتيحت لهذه الحكومة منح تقدر بـ94 مليار جنيه ومع ذلك استمرت في دوامة المديونية بشقيه، الداخلي والخارجي، فقفز الدين العام المحلي من 1.6 مليار جنيه بنهاية يونيو/حزيران 2013 إلى 1.9 مليار بنهاية يونيو/حزيران 2014.

ولا تقف المشكلة عند الزيادة الرقمية، لكن المخاوف تتزايد مع تزايد نسبة هذا الدين في الناتج المحلي الإجمالي، حيث وصلت هذه النسبة حسب تقديرات نتائج الحسابات الختامية لوزارة المالية إلى 95.5%، وبلا شك عند نشر بيانات الدين العام المحلي مع نهاية النصف الأول من العام المالي الحالي 2014/2015 سيتجاوز هذا الدين نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي.

يشار إلى أن الحكومة استحدثت بمشروعها لتوسعة وازدواج قناة السويس دينا عاما بنحو 67 مليار جنيه خلال الشهور القليلة الماضية، فضلا عن استمرار الاقتراض الحكومي بشكل أسبوعي لسداد التزامات الموازنة.

ولم يكن الدين الخارجي بمأمن من يد الحكومة التي ساهمت في ارتفاعه من 43.2 مليار دولار في نهاية يونيو 2013 إلى 46.06 مليار دولار في نهاية يونيو/تموز 2014، وكل هذه الأعباء تضع مشكلات أمام الحكومة المصرية في توجهها للاقتراض من الخارج، حيث ستكون تكلفة الاقتراض عالية، نظرا للوضع الخطر الذي يتسم به الدين العام في مصر.

فشل في إدارة عجز الموازنة

إذا كانت هذه الحكومة قد أعطيت ميزة المنح الخارجية، وحرية فك وديعة قديمة للحكومة بمقدار 8.2 مليارات دولار فإنها فشلت في تحقيق العجز المستهدف الذي جاء على لسان وزير المالية السابق أحمد جلال الذي تولى إدارة الموازنة العامة منذ اليوم الأول للعام المالي 2013/2014، حيث أعلن الوزير أن عجز الموازنة سيكون بحدود 10%.

وقد حدث نوع من التنسيق بين السياستين المالية والنقدية في ما يتعلق بتكلفة الاقتراض الحكومي، حيث تم تخفيض سعر الإقراض الحكومي بـ2%، وهو ما ساعد على توفير تسعة مليارات جنيه في تكلفة الإقراض، ومع ذلك فشلت الحكومة في تحقيق مستهدفها، وهو الوصول بالعجز إلى نسبة 10%.

فمع كل هذه المعطيات الإيجابية التي منحت للحكومة لم تحقق خفضا في العجز بالموازنة إلا بنسبة 0.9% مع تحقيق عجز نسبته 12.8% بعد أن كان 13.7% في العام المالي 2012/2013، ولم يتحرك النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلا بنسبة 0.1%، وزاد على ذلك عدم توقف الحكومة عن طباعة النقود، مما ساعد على ارتفاع معدلات التضخم.

إهمال الأصول الرأسمالية
مما يثير الانتباه في نتائج الحسابات الختامية أن مخصصات الصيانة للأصول الرأسمالية للدولة قد انخفضت بنحو تسعمائة مليون جنيه، فالمبلغ الأساسي المعتمد في موازنة 2013/2014 بحدود 3.4 مليارات جنيه، لمواجهة صيانة الأصول الرأسمالية التي تقدر بتريليونات الجنيهات.

“يتوقع أن تستمر مشكلة الإدارة الاقتصادية في مصر، بسبب الرؤية الحاكمة التي لم تتغير عن تبني نموذج تنموي يلهث خلف اقتصادات السوق غير المنضبطة والتي يتم فيها إعلاء قدر الاقتصاد الريعي على حساب الاقتصاد الإنتاجي”

فالهيئات الاقتصادية فقط تزيد أصولها الرأسمالية على 1.5 تريليون جنيه، فما بالنا بباقي الأصول الرأسمالية للدولة، ومع ذلك يتم تخفيضها لتصل إلى 2.5 مليار جنيه فقط.

إن العائد الاقتصادي لزيادة وتفعيل ما ينفق على الصيانة يؤدي إلى الحفاظ على الأصول الرأسمالية للدولة، ويزيد من أعمارها الافتراضية والعكس صحيح، فالتقصير في أعمال الصيانة ونقص الإنفاق عليها يعنيان إهلاك هذه الأصول في وقت قصير، ويضيعان ثروة المجتمع.

إن إقرار بيان وزير المالية حول انخفاض الإنفاق على الصيانة بقوله “وهو أمر تنبغي مراجعته في السنوات المقبلة، وبما يضمن الحفاظ على كفاءة الأصول والاستثمارات التي قامت بها الدولة من قبل” يعكس في الوهلة الأولى الاعتراف بالتقصير في أمر في غاية الأهمية، والأمر الثاني أنه تصريح للاستهلاك الإعلامي.

وتشير بيانات موازنة العام المالي الحالي -والذي خرجت موازنته من تحت يد هذا الوزير- إلى عدم الاكتراث بمخصصات الصيانة التي يتباكى على تخفيضها في العام الفائت، فبلغت هذه المخصصات 4.6 مليارات جنيه هذا العام، وهو مبلغ لا يكفي ولا يناسب حجم الاستثمارات والأصول الرأسمالية للدولة، ويخشى -على قلته- أن يتعرض للتخفيض في نهاية العام المالي الحالي، حيث إن ثقافة الصيانة سلوك غائب عن صانع السياسة الاقتصادية في مصر، وهو ملمح بارز في سوء الإدارة الاقتصادية المصرية.

الإفراط في الاعتماد على المنح

حصول الدول على المنح أمر مشروع في إطار ما تتعرض له من أزمات، لكنه أمر طارئ ولا يمكن الاعتماد عليه في الأجل الطويل.

وحسب بيانات الحساب الختامي، فإن المنح والمساعدات بلغت 94 مليار جنيه مصري، وبما يعادل نسبة 20.5%، من إجمالي الإيرادات العامة للعام المالي 2013/2014 البالغة 456.8 مليار جنيه.

ومما يؤسف له أن أغلبية المعونات والمنح استخدمت في سد عجز الموازنة، ولم يستخدم منها في مجال الاستثمارات الحكومية سوى 13 مليار جنيه فقط، أي بنسبة 13.8% من إجمالي المنح والمعونات، ومما غل يد الحكومة في التصرف بالمعونات الخليجية أن معظمها كان في شكل منح عينية (مواد بترولية) وبما يعادل 53 مليار جنيه.

يتوقع أن تستمر مشكلة الإدارة الاقتصادية في مصر بسبب الرؤية الحاكمة التي لم تتغير عن تبني نموذج تنموي يلهث خلف اقتصادات السوق غير المنضبطة، والتي يتم فيها إعلاء قدر الاقتصاد الريعي على حساب الاقتصاد الإنتاجي، ومحاولات قراءة أداء الموازنة العامة للدولة في إطار حسابي، وبعيدا عن المردود الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق.