تحول جوهري في سياسات النمو الصيني

محمد إبراهيم السقا

محمد إبراهيم السقا

   اسمديا- آراء:

فوجئ العالم خلال الأيام الماضية بإعلان الصين عن تخفيض توقعاتها للنمو السنوي في الاقتصاد الصيني العام القادم إلى 7 في المائة فقط، وذلك بعد سلسلة من التراجع في معدل النمو المحقق، الذي بلغ 7.4 في المائة في 2014، وهو أدنى معدلات النمو التي حققتها الصين خلال الـ 16 سنة الماضية، وذلك على الرغم من أنه من المفترض أن يؤدي تراجع أسعار السلع التجارية في العالم، وعلى رأسها النفط إلى تحفيز معدلات النمو في الصين، حيث تعد الصين من أكبر المستفيدين من تراجع أسعار النفط. من ناحية أخرى فقد أظهر مؤشر مديري مشتريات القطاع الصناعي تراجع القطاع في الصين، حيث بلغ مؤشر الانتشار للقطاع 49.9، وهو أول تراجع رسمي منذ نحو سنتين. فهل توقف تسارع معدل النمو في الصين؟ وهل عاد الاقتصاد الصيني مرة أخرى لمعدلات النمو المعتدلة التي اعتاد عليها قبل الفورة التي مر بها خلال الـ 15 سنة الماضية؟

من المؤكد أن سياسات النمو في الماضي قد مكنت الصين من انتشال مئات الملايين من الفقر المدقع وحولتهم إلى مواطنين ذوي مستويات دخل مقبولة بالمعايير الصينية، لكن هذا النمو السريع لم يكن دون تكلفة، فقد أثبتت التجربة أن النمو السريع كان له آثار مدمرة في البيئة، إلى الحد الذي يتوقع فيه أن إعادة تهيئة البيئة مرة أخرى سيتطلب إنفاقا هائلا. كذلك من التهديدات المصاحبة للنمو السريع في الوقت الحالي ارتفاع مستوى الدين المحلي، و من الواضح أنه لو استمر الوضع على ما هو عليه حاليا، فإن الصين قد تواجه مشكلات مثل تلك التي تواجهها الولايات المتحدة أو حتى اليابان، أما أخطر مشكلات النمو السريع فقد تمثلت في عدم التوازن الهيكلي على النحو الذي أصبح من الواضح معه أن النمو الصيني المرتفع غير مستدام.

لذلك ينظر المراقبون إلى التحول في سياسات النمو الصيني على أنها مقدمة لإصلاحات جوهرية ستقوم بها الصين لضمان استدامة عزم النمو الاقتصادي الذي يتراجع منذ فترة طويلة في الصين، بل إن معظم التحليلات التي تدور حول الموضوع تؤكد أن تراجع توقعات النمو يشكل الوضع الطبيعي الجديد للصينNew Normal، وذلك بعودة الصين مرة أخرى إلى معدلات النمو المكونة من رقم واحد بعد أن ظلت لفترة طويلة تحقق معدل نمو مكون من رقمين، وهو ما ساعد الصين على أن تصبح ثاني اكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج الاسمي، وأكبر اقتصادات العالم بمقياس تعادل القوة الشرائية.

البعض أيضا يرى أن السلطات الصينية لا تريد للنمو أن يكون مرتفعا، وتسعى لمعدلات نمو أقل في ظل هيكل اقتصادي مستدام، ذلك أن نمو اقتصاد ضخم مثل الاقتصاد الصيني بمعدلات نمو مرتفعة، على سبيل المثال بمعدل 12 في المائة، مثلما كان الوضع سابقا، سيجعل من إدارة الاقتصاد الصيني الضخم بهذا النمو المرتفع مسألة صعبة، وقد يجعله خارج نطاق سيطرة وقدرة الحكومة على التحكم فيه.

سياسة النمو الجديدة للصين تستهدف العمل على إحداث التوازن بين النمو المستدام والإصلاحات الهيكلية التي تريد الصين إحداثها في هيكلها الاقتصادي، وذلك لتعديل نسب مساهمة القطاعات الاقتصادية المختلفة في الناتج، من خلال خفض الإنفاق الاستثماري في بعض القطاعات الذي ترتب عليه ارتفاع مفرط في الطاقة الإنتاجية بها مثل قطاع الصلب والمساكن، أو تكثيف الاعتماد على استهلاك الطاقة الذي أصبح غير قابل للاستدامة، وبالتالي فإن الهدف من الإصلاحات التخلص من الطاقة الفائضة في الاقتصاد والسيطرة على نموها، من ناحية ومن ناحية أخرى، خفض الإنفاق على البنى التحتية.

الصين أيضا تفكر في فتح المجال بصورة أوسع أمام القطاع الخاص لكي يلعب دورا أكبر في الاقتصاد المحلي بتشجيع المبادرات الخاصة ودعم أنشطة الابتكار في الاقتصاد الوطني، فعلى الرغم من النمو الاقتصادي الكبير الذي حققته الصين خلال العقود الماضية فإن الطاقة الابتكارية للاقتصاد الصيني ظلت ضعيفة بالقياس إلى الأهمية التي يحتلها في العالم كثاني أكبر اقتصاد، الأمر الذي يعكس عدم كفاءة نموذج النمو الذي انتهجته الصين في الماضي، القائم على التصنيع، أكثر منه على الابتكار وغزو العالم بابتكارات صينية، وليس بعلامات دول أخرى.

من ناحية أخرى، فقد وقفت الصناعات المملوكة للدولة عائقا أمام رفع القدرة الابتكارية للصين، مثلما هو الحال في كل دول العالم التي يلعب فيها القطاع العام دورا جوهريا في الإنتاج، حيث ينعدم الحافز تقريبا على الابتكار. اليوم الصين تفكر في تجاوز هذه المشكلة من خلال رفع مساهمة القطاع الخاص، والاهتمام بقطاعات تكنولوجيا المعلومات ومصادر الطاقة الجديدة، وبمعالجة القيود البيروقراطية، والتخفيف من المركزية، وفتح المجال بصورة أكبر أمام الاستثمارات الخاصة والأجنبية للعمل في قطاعات كانت مغلقة من قبل، ومن خلال الدور الأكبر لهذا القطاع تأمل الصين أن تلعب البحوث والتطوير دورا أكبر في الاقتصاد الصيني.

كذلك تهدف سياسات إعادة التوازن للاقتصاد الصيني إلى تنويع هيكل الاقتصاد الصيني بعيدا عن قطاع الصادرات، حتى تتجنب الصين مصادر عدم الاستقرار الناجمة عن تقلب الطلب على صادراتها من الخارج، والتوجه بصورة أكبر نحو الداخل، وذلك بدعم القطاعات غير التصديرية، لذلك تتوقع الصين أن تنخفض معدلات النمو في تجارتها الخارجية من 7.5 إلى 6 في المائة فقط في 2015. فسنوات الانتعاش بالنمو السريع انتهت، وقد أصبح لزاما على الصينيين التعامل بشكل واقعي مع إمكانات النمو الكامن فيها بمستوياته الجديدة.

وهكذا بعد أن ظلت الصين تحقق معدلات نمو برقم مزدوج لنحو عقدين من الزمان تقريبا، فإن القيادة الصينية على ما يبدو أصبحت اليوم أكثر ميلا لقبول معدلات نمو أقل في سبيل إعادة التوازن للاقتصاد لضمان تحقيق نمو مستدام، وليس نموا مضطربا. باختصار شديد الصين تحول اتجاهها الآن من التركيز على الكيف بدلا من التركيز على الكم.

من ناحية أخرى، فإنه وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي حول النمو في الصين خلال العامين المقبلين، فإنه من الواضح أنه حتى هذا المعدل المنخفض للنمو ربما لا تتمكن الصين من تحقيقه، فقد خفض الصندوق توقعاته للصين دون هذا المستوى، أي أن الصندوق ينتظر أداء أسوأ من ذلك المتوقع بواسطة الصين، حيث يتوقع أن يصل النمو إلى 6.8 في المائة في 2015، و6.3 في المائة في 2016، وهو تراجع كبير في معدلات النمو الصيني بالقياس إلى اتجاهات النمو فيه على الأجل الطويل.

جدير بالذكر أن هذا الإعلان للحكومة جاء مصحوبا بقيام البنك المركزي الصيني بإجراء تخفيض إضافي في معدلات الفائدة، الذي يعد الخفض الثاني خلال أربعة أشهر، وذلك في محاولة لدفع النمو المتراجع. حيث تم تخفيض معدل الإقراض بربع في المائة من 5.6 إلى 5.35 في المائة، وكذلك معدل الإيداع بالنسبة نفسها من 2.75 إلى 2.5 في المائة، وهذا الخفض ربما لا يكون الأخير، فقد أعلن البنك المركزي أنه على استعداد لخفض جديد في معدلات الفائدة لمساعدة الاقتصاد على تعزيز معدلات النمو، والتأكد من عدم استمرار تراجع النمو في الاقتصاد المحلي. غير أن بعض المراقبين يشكك في مدى إمكانية استفادة الاقتصاد الصيني من خفض معدلات الفائدة لدفع معدلات النمو المتراجع، والسبب في تشككهم يعود إلى طبيعة إدارة الاقتصاد الصيني، حيث تلعب السياسة المالية الدور الأساسي في تحديد مستهدفات النمو، بينما تأتي السياسة النقدية ومعدل الصرف لليوان مجرد أدوات مساعدة.

وأخيرا فإن من المؤكد أن تخفيض توقعات النمو في ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم سيغير قواعد المعادلة في السوق النفطية، حيث من المتوقع أن يتراجع الطلب العالمي على النفط، بتراجع النمو الصيني المتوقع، فوفقا لهيئة الطاقة العالمية، يتوقع أن يتزايد الطلب الصيني على النفط بمعدل 2.6 في المائة حتى 2020، وهو نصف معدل النمو في الطلب الصيني على النفط خلال فترات النمو السريع التي مرت بها الصين، وليس من المتوقع أن يضيف الطلب الصيني سنويا أكثر من 300 ألف برميل يوميا في المستقبل حتى 2020.

* نقلا عن الاقتصادية