اقتصاد رمضان” الاستهلاكى ..كيف نستفيد منه؟

بقلم : محمود عسكر
ينتقد الكثيرون سلوكيات الناس الاستهلاكية خلال شهر رمضان، رغم أن هذا الشهر فى الأصل شهر للعبادات ويدعو للتقشف، إلا أن ما يحدث غير ذلك تماما، حيث تقل ساعات العمل للموظفين وغير الموظفين، ويضعف أداؤهم بسبب الصيام، وكثرة السهر في ليل رمضان الذي تحول من العبادة إلى اللهو والمرح والزيارات المتبادلة طوال الليل.

وإذا قرأنا هذه المقدمة من الناحية الاقتصادية فسنجد أن لها جوانب متباينة من حيث الإيجابية والسلبية، فمن الناحية السلبية ظاهريا يقل الإنتاج بسبب تخفيض ساعات العمل وضعف أداء العامل الصائم، لكن ذلك في الأوساط الحكومية فقط، أما القطاع الخاص فالأمر يختلف، ومن الناحية الإيجابية نجد أن قطاعات أخرى تستفيذ استفادة كبيرة من رمضان وخصوصا التجار والشركات المنتجة للمواد الغذائية والمنسوجات والملابس والحلويات والفنادق ومنظمو الحفلات وغيرها من المنتجات التى يقبل عليها الناس في شهر رمضان.

كما أن بعض الدراسات أظهرتً أن شهر رمضان له تأثير إيجابى على البورصات العربية والعالمية، حيث ألقى تقرير من جامعة ليستر، فى عام 2011، (نشره المركز اليمينى للإعلام) الضوء على الأسواق فى أربعة عشر بلداً إسلامياً هى (البحرين، مصر، إندونيسيا، الأردن، الكويت، ماليزيا، المغرب، عمان، باكستان، قطر، المملكة العربية السعودية، تونس وتركيا والإمارات العربية المتحدة) بين عامى 1989 و2007، وكشف أن متوسط عائدات سوق الأسهم فى هذه البلدان خلال شهر رمضان يرتفع بمقدار تسع مرات تقريباً ويكون أقل تقلباً مقارنة ببقية أوقات السنة.

وتستفيد الدولة بشكل كبير من ازدهار النشاط الاستهلاكى للمواطنين فى شهر رمضان، حيث تزداد الحصيلة الضريبية للدولة، سواء ضريبة المبيعات أو الضرائب على الشركات المنتجة للمنتجات الأكثر استهلاكا فى شهر رمضان ومنها مئات الشركات فى قطاع المواد الغذائية وقطاع الخدمات، والاتصالات والفنادق والنوادى الاجتماعية التى يزداد نشاطها بشكل كبير فى شهر رمضان وغيرها من القطاعات المرتبطة بها.

ومعروف اقتصاديا أن المحرك الرئيسى لأى اقتصاد ليس الإنتاج فقط، وإن كان الإنتاج من أهم المحركات الاقتصادية، ولكن بشرط أن تستطيع بيع وتصريف هذا الإنتاج لكى تستطيع أن تستمر فى الإنتاج بعد ذلك، أى أن يكون هناك طلب على هذا المنتج، ويجد هذا المنتج المستهلك المناسب والقوى الذى يستطيع أن يستوعب هذا الإنتاج سواء فى السوق المحلى أو حتى فى الخارج، وهذا “الطلب” هو ما يوفره شهر رمضان من مستهلكين كثر وأكثر شراهة لكل المنتجات سواء الغذائية المرتبطة بالصوم أو غير الغذائية مثل الملابس والهدايا المرتبطة بشهر رمضان، بالإضافة إلى عيد الفطر بعد شهر رمضان.

ولذلك فإنه رغم مساوئ تصرفات المسلمين فى هذا الشهر، بعدما حولوه لشهر استهلاكى مقابل أن يكون شهرا للادخار والتقشف، من الناحية الدينية، إلى أن هذا السلوك الاستهلاكى أصبح بصورة من الصور محركا للاقتصاد بشكل عام وفرصة لتصريف بعض المنتجات الراكدة أو الزائدة عن الاستهلاك فى بعض الشهور التى تسبق رمضان، ويشهد الشهر منافسة شرسة بين الشركات المنتجة لتقديم عروض لجذب المواطنين لشراء منتجاتها، وهو ما يساهم في تنشيط السوق وزيادة المنافسة وتخفيض الأسعار في كثير من الأحيان، خصوصا في النصف الثانى من الشهر.

وهذه صورة إيجابية من اقتصاد رمضان الاستهلاكى – الذي ينتقده الكثيرون- ويجب على الدولة أن تدعمها وتشرف عليها وتراقبها حتى تحقق الهدف منها وهو تنشيط وتحريك السوق نحو النمو، وأن لا تقع فريسة للمهاجمين لسلوكيات الناس في رمضان، وأن تعمل على الاستفادة من هذا السلوك الاستهلاكى الضخم الذي تبذل دول كثيرة مجهودا ضخما لخلقه في أسواقها وتصرف ملايين الدولارات للترويج لمنتجاتها وجذب المستهلكين لها، في مقابل تشهد الدول الإسلامية موسما سنويا لمدة شهر كامل من الاستهلاك الضخم ويستطيع بسهولة أن ينشط ويحرك السوق والاقتصاد بأكمله طوال العام إذا ما تم استثماره

الرابط المختصر : https://acemdia.com/?p=18685